الشيخ محمد رشيد رضا
87
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وهل هو فيه على هدي من ربه أم لا ، وقسم يعتمد عليه ويدعى في دفع المضار وجلب المنافع من طريق السلطة الغيبية لا من طريق الأسباب ، حتى أنهم ليعتمدون على إغاثة هؤلاء الأنداد للناس بعد موتهم وخروجهم من عالم الأسباب ، ثم بينت أن الناس يتبع بعضهم بعضا في ذلك ، وأن سيتبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا عند رؤية العذاب وتقطع الأسباب بينهم ، وقلنا في تفسيرها إن الأسباب هي المنافع التي يجنيها الرؤساء من المرءوسين والمصالح الدنيوية التي تصل بعضهم ببعض . وفي هذه الآيات يبين تعالى أن تلك الأسباب محرمة لأنها ترجع إلى أكل الخبائث واتباع خطوات الشيطان ونهى عنها ، وبين سبب جمودهم على الباطل والضلال وهو الثقة بما كان عليه الآباء من غير عقل ولا هدى ، فالكلام متمم لما قبله قطعا قال تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً الحلال هو غير الحرام الذي نص عليه في قوله تعالى ( قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ) فما عدا هذا فكله مباح بشرط أن يكون طيبا أي غير خبيث . وفسر الجلال الطيب بالحلال على أنه تأكيد أو بالمستلذ ، والأول لا محل له والتأسيس مقدم على التأكيد ، والثاني لا يظهر تقييد الإباحة العامة لما في الأرض به ، ورجح الأستاذ الامام أن الطيب ما لا يتعلق به حق الغير وهو الظاهر ، لان المراد بحصر المحرم فيما ذكر المحرم لذاته الذي لا يحل الا للمضطر ، وبقي المحرم لعارض فتعين بيانه وهو ما يتعلق به حق الغير ويؤخذ بغير وجه صحيح ، كما يكون في أكل الرؤساء من المرؤسين بلا مقابل الا انهم رؤساؤهم المسبطرون عليهم ، وكذلك أكل المرءوسين بجاه الرؤساء ، فان كلا منهما يمد الآخر ليستمد منه في غير الوجوه المشروعة التي يتساوى فيها جميع الناس ، وبخرج بذلك الربا والرشوة والسحت والغصب والغش والسرقة فكل ذلك خبيث ، وكذا ما عرض له الخبث بتغيره كالطعام المنتن ، وبهذا التفسير يتحرر ما أباحه الدين وتلتئم الآية مع ما قبلها وأتبع الأمر النهي فقال وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ قرأ الأئمة